الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
450
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في جنات النعيم ( 1 ) . التعبير ب جنات النعيم يشمل أنواع النعم المادية والمعنوية ، ويمكن اعتبار هذا التعبير إشارة إلى أن بساتين الجنة هي وحدها مركز النعمة والراحة في مقابل بساتين الدنيا التي تحتاج إلى الجهد والتعب ، كما أن حالة المقربين في الدنيا تختلف عن حالة المقربين في الآخرة ، حيث أن مقامهم العالي في الدنيا كان توأما مع المسؤوليات والطاعات في حين أن مقامهم في الآخرة سبب للنعمة فقط . ومن البديهي أن المقصود من " القرب " ليس " القرب المكاني " لأن الله ليس له مكان ، وهو أقرب إلينا من أنفسنا ، والمقصود هنا هو " القرب المقامي " . ويشير في الآية اللاحقة إلى الحالة العددية في الأمم السابقة وفي هذه الأمة أيضا حيث يقول سبحانه : ثلة من الأولين أي أنهم جماعة كثيرة في الأمم السالفة والأقوام الأولى . وقليل من الآخرين . ( ثلة ) كما يقول الراغب في المفردات تعني في الأصل قطعة مجتمعة من الصوف ، ثم تحولت إلى معنى مجموعة من الأشخاص . وأخذها البعض أيضا من ( ثل عرشه ) بمعنى سقط وإنهار ، يقال ( سقط عرشه وانقلعت حكومته ) واعتبرها البعض ( قطعة ) ، وذلك بقرينة المقابلة ب ( قليل من الآخرين ) يكون المعنى القطعة العظيمة . وطبقا لهاتين الآيتين فإن قسما كبيرا من المقربين هم من الأمم السابقة ، وقسم قليل منهم فقط هم من أمة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ويثار سؤال هنا وهو : كيف يتناسب العدد القليل من مقربي أمة محمد مع الأهمية البالغة لهذه الأمة التي وصفها القرآن الكريم بأنها من أفضل الأمم ؟ قال
--> 1 - الجار والمجرور الموجود في الآية ( جنات النعيم ) ممكن أن يكون متعلق بما قبله يعني ( المقربين ) ، أو مرتبطة بحال محذوف جاء للمقربين وتقديره ( كائنين في جنات النعيم ) ، أو يكون خبرا بعد خبر .